شكيب أرسلان
193
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
تعالى شهادتهم وقتل فئة من أعداء اللّه الكافرين نحو ألف فارس وخمسة آلاف راجل فغسلها المسلمون من رجس الشرك وجلوها من صدأ الافك . انتهى قلنا قد ظهر من هذا النقل أن المقرّى ، ومن قبله ابن عذارى ، إنما نقلا تاريخ فاجعة بربشتر عن ابن حيان لأن بعض الجمل مثل « فغسلها المسلمون من رجس الشرك وجلوها من صدأ الافك » مذكورة في نفح الطيب نقلا عن ابن حيان ، وأيضا في البيان المغرب لابن عذارى ، وكذلك يوجد اتفاق في بعض الروايات مثل أنه استشهد من المسلمين يوم ارتجعوا بربشتر نحو الخمسين ، وأن العدوّ فقد يومئذ ألف فارس وخمسة آلاف راجل . إلا أنه موجود بين روايتي ابن حيان وابن عذارى اختلافات في بعض التفاصيل . فان ابن عذارى لم يذكر تقصير يوسف بن سليمان بن هود في حماية بربشتر ، ولا ذكر أيضا أن احمد المقتدر أخاه فرّط في أمرها لانحراف أهلها إلى أخيه يوسف مع وجود العداوة بينهما . والحال أنه من سياق الكلام ، ومن قول ابن حيان إن العدو أقام يحاصر بربشتر أربعين يوما ، يظهر للقارئ أن التفريط وقع من بنى هود في أمرها سواء كان يوسف بن هود أو أخوه احمد ، وأن أهل بربشتر كانوا من حزب يوسف ، فبهذا السبب تركهم احمد الذي كان أميرا لسرقسطة ولم ينجدهم . وكذلك يوسف تأخر عن نصرتهم ، ولا سبب في ذلك ، واللّه أعلم ، سوى خوفه من أخيه ، لأنهما كانا في شقاق بعيد ، وكل منهما يستنصر بالطاغية ابن ردمير على أخيه فتأخر يوسف وتأخر احمد عن نجدة أهل بربشتر بخوف كل منهما من الآخر . فجرى على بربشتر ما جرى من الفاجعة التي ندر وقوع مثلها في الاسلام . ولا شك في أنه تحدّث المسلمون بهذا الخبر في كل ناد ، وجعلوا التبعة في هذه الفجيعة على بنى هود ، ولا سيما على أحمد بن سليمان بن هود الملقب بالمقتدر صاحب سرقسطة لأنه كان أقدر من أخيه على اصراخ أهل تلك البلدة ، فلذلك عمد احمد لا صمات سوء المقالة عنه ، كما قال ابن حيان ، وصمد إلى بربشتر بجموع المجاهدين واسترجعها ، وشفى صدور المسلمين ( 13 - ج ثاني )